ابو القاسم عبد الكريم القشيري

7

نحو القلوب

واستمع إلى الفطرة السليمة في ذلك يصورها لك جعفر الصادق حين جاءه رجل يسأله عن ( الله ) . فقال له جعفر : ألم تركب البحر ؟ قال : بلى . فقال جعفر : هل هاجت بكم الريح عاصفة ؟ قال : نعم . فقال جعفر : فهل خطر ببالك أن هناك من يستطيع أن ينقذك إن شاء ؟ قال : نعم . قال جعفر : فذلك هو « الله » « 7 » . وهذا هو الفناء الذي صوره الحديث القدسي : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » . فالإنسان يرتفع ببشريته ، ويسمو حتى يتخلق بأخلاق الله . والصوفي عندما يبحث عن الحقيقة ، إنما يبحثها في إطار الشريعة ، ليزيدها قوة وعمقا ، وثباتا ونقاء ، وصفاء واصطفاء ، فلا دخول لحقيقة إلا من باب الشريعة ، والشريعة باب الحق ، والحقيقة بيت الحضرة ، والشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده ! ومن هذا المقام مقام ( المشاهدة ) و ( الكشف ) بوصول النفس إلى مرتبة شهود الحق بالحق ، وانكشاف العوالم والأسرار ، يؤمن الصوفي إيمانا كاملا ( بالغيب ) وتلك ميزة الأديان كلها عن العلوم والفلسفات والماديات : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ « 8 » فالذي لا يؤمن بالغيب يجد نفسه كافرا بالدين كله . ومن هنا كان اتجاه ( مدنيتنا المعاصرة ) إلى المادة لتجد فيها الدائرة الثابتة التي تتكشف فيها الحقائق وما عدا ذلك من ( الغيب ) ، زيف وسراب ، وكان هذا أول مدخل علمي إلى الكفر يضعه أقطاب الإلحاد والفلسفات الوجودية الداعرة ، والشهوات المسعورة السافرة ، وذلك أن « التفسير

--> ( 7 ) من مقالنا : قضايا إسلامية في مجلة ( الرأي ) الليبية . العدد 42 . ( 8 ) البقرة : 2 ، 3 .